الاثنين، 27 فبراير 2012

باب الحارة...


باردةٌ عاصفةٌ كانت تلك الليالي، يكادُ أحدُنا لا يجد ما يُشعره
بالدفء ولا ما يدفع عنه " سوط البرد " القارص، لا من ناحية اللباس والدثار
ولا من ناحية الطعام، فقد كان شحيحاً لدرجة أني اعتدت كلّ ليلتين أو ثلاث أن أبقي
قشور البرتقال لآكلها بعد الساعة الثامنة حيث تكون المعدة قد خَوَتْ على عروشها!!
وتتقلّبُ الفصولُ ببطء شديدٍ حتى ندخل في صيفٍ لا تقلّ معاناة حرارته عن معاناة 
برد الشتاء وقتامته!!

كانت ليالي رمضان من أروع ليالي التواصل مع الله سبحانه وتعالى،
شعور رائع ولذّة ما بعدها لذة حين تشعر بالهدوء والسكينة رغم الإعياء الذي
يسيطر على القلب حين أفكر بالسجن والسّجاّن.
لكن، وبالرغم من حالة تجمّد الدماغ حين أفكّر بالأهل والأحبة خارج جدران السجن
كنّا نجد لأنفسنا ساعات من الهروب من ذاك الواقع، تلك الساعات نلتمسها في صلواتنا ودعائنا وقراءتنا للقرآن العظيم الذي يجعل أحدنا " يحلّق" عالياً متخطياً حدود السجن بل حدود الدنيا كلّها إلى عالمٍ آخر، عالمٍ كله أمل بالله، كلّه تفاؤل بمستقبل مشرق، أمل بالخلاص من بني يهود واحتلالهم وتجبّرهم و...سجونهم وزنازينهم!!
يلتقي الأصحاب مع بعضهم البعض، يسرّي أحدهم عن الآخر رغم ألمه، يحاول أن يبعث في النفوس معاني العزّة ومعاني الأمل والخلاص مما نحن فيه...

ثمّ كانت لنا سويعات كنّا نعتبرها أيضاً من ساعات التحليق خارج الجدران
فما كان المؤذن يؤذّن لصلاة المغرب حتى نهرع للجماعة فنصلي لربّ العالمين بهدوء وخشوع ودعاء وأمل ورجاء...كلّ المعاني تلك، وأكثر منها، تجتمع في جسد الواحد منّا، ثمّ بعد أن نفرغ من صلاتنا، وتنتهي علاقتنا اليومية مع السجّان فلا يدخل بعدها إلى ساحة ( القِسم ) نتجمّع للإفطار بعد صيام يوم طويل طويل...
ويشغل كلّ واحد منّا نفسه بشيء اعتاد عليه، بالقراءة أو بالصلاة أو باللعب أو " الدردشات " الجانبية لقتل الوقت حتى يحين موعد صلاة العشاء فنصلي...
بعدها...نسمع الصوت الذي اعتدنا على سماعه طوال أيام شهر رمضان ولمدة عامين، صوتٌ يملأ الساحات
ويُسمِعُ السجين والسجّان قائلاً: باب الحارة يا شباب!!

ندخل خيامنا، ويجلس كلّ منّا على سريره ( بُرشِه ) ويسود هدوء لم يكن لأحد أن يشهده إلا حين يكون الجميع نياماً!!
" يتسمّر " الجميع في أماكنهم وتبدأ مشاهدة حلقات مسلسل " باب الحارة " السوري...
أنا متأكد أنّ كلّ واحد منّا كانت تجول في خاطره أحاديث ومشاهدُ  كثيرة وهو يتأمّل المسلسل من أوله إلى نهايته دون أن ينبس أحد ببنت شفة..
كان الواحد منّا يحلّق عالياً وجسده على فراشه وهو يرى الناس – في المسلسل – وطيبتهم وبساطتهم ومحبتهم، يرى الرجال ورجولتهم وشجاعتهم وإقدامهم ورفضهم الذل والمهانة، يرى الغليان في وجه كلّ " ممثل " حين يحصل أمر غير محمود أو ممّا لا ترتضيه النفوس الأبيّة الكريمة
فيربط الواحد منّا ما يشاهده بما هو عليه واقعه، ثمّ لدقائق – هي عمر الحلقة – ننسى أننا في سجن، نتخيّل أننا نشاهد الحلقة وأهلينا بجانبنا، نربّت على ظهر أطفالنا، نرى الفرح على محيّاهم، كما نرى الدمع في عيونهم في لحظات الحزن...
وكم من مرّة يُخرجنا من هذه التأملات صوتُ شاب في لحظة ذروةٍ في المسلسل صارخاً: الله محييك يا أبا شهاب
الله محييك يا معتز!!
نبتسم، بل نضحك...ولا أظنّ إلا أنها ملامح الوجه فقط هي التي تدلّ على الضحك...لأن القلب ينزف ويعتصر ألماً!!
وكان حول القِسْمِ حَرَسٌ لا يبرحون أماكنهم، منهم اليهودي ومنهم العربي، ومنهم الدرزي، وكلّهم دون استثناء ينتظرون ساعة مسلسل باب الحارة كما كان جلّنا ينتظرونه، لكن ليس عندهم تلفاز!!
فكانوا يطلبون من شباب أقرب خيمة لهم أن يحرّكوا جهاز التلفاز ناحيتهم ليشاركوهم حضور المسلسل، في بعض الأوقات كان الشباب يفعلون، لكن في معظم الأحيان كانوا يرفضون، بل يغلقون الخيمة إغلاقاً محكما حتى لا يشاهد الحرس شيئاً، فنسمع الشتائم والسباب والكلمات النابية...فلا نُسمِعُهم إلا ضحكاتنا وبعضَ " الحركات " التي تملأهم غيظاً..
وتستمر مشاهدة الحلقة، بكل أحدائها وتداعياتها، حتى غَدا المسلسل لا يُستغنى عنه.
ومن باب " الاستراحة والفكاهة " ترى عدداً من الشباب كلّ منهم يتقمّص شخصية من الشخصيات التي شاهدنا، يتكلم بلكنته، بأسلوبه، يقلّد حركاته...
الصحيح أنّ الحالة التي كان يمثّلها المسلسل والشخصيات فيه حالة جميلة وطيبة وتُنبي عن – كما أسلفت – معاني التراحم والمحبة والشجاعة والغيرة على العرض والأرض..إلى غير ذلك
ولا جَرَمَ أن تتحصّل عندنا صورة عن الشام وأهل الشام ربطاً بما نشاهده
لكن...
وبعد هذه الثورة العظيمة التي يخوضها شعبٌ عظيم
وبعد كلّ هذه المذابح التي يتعرّض لها على أيدي أرذل الخلق
وبعد أن رأينا كيف تفاوَتَت ردود الفعل على تلك المذابح
وتأييد نسبة من " الممثلين " لبشار وإجرامه
أيقن الناس أن هؤلاء وما كانوا عليه في مسلسل باب الحارة هو ...تمثيل بالفعل
ولا علاقة لهم بالكرامة ولا بالعزّة ولا بالرجولة ولا بأي معنى من المعاني الحميدة
يا حيف عليكم
يا حيف.

ليست هناك تعليقات: